: فارس الطويل
( الفنان الذي لا يعيش آلام شعبه ، سيلعنه التاريخ .. ) – الفنان رعد بركات
( لقد توقفت عن أداء الأغاني العاطفية .. كيف أغني والدم يلوّن أرصفة شوارع العراق .. وكيف ينتزع الفنان إحسـاسه بالمحيط الذي ينتمي إليه .. إنـّه أمر ليس بالسهل ) ..
توقفت طويلاً عند هذه الكلمات ، التي صدرت عن الفنان العراقي الجميل ، المقيم في أمريكا ، حالياً ، ( رعد بركات ) ، الذي لم يتوقف ، ومنذ خروجه من العراق في بداية التسعينات ، عن الغناء لوطنه وشعبه ، سالكاً طريقاً مغايراً للآخرين ، الذين فضّلوا بريق الشهرة والأضواء ، وصخب الحفلات والنوادي الليلية ، وصفير المراهقين ، وتأوهات المعجبات ، راكضين وراء أنانيتهم الضيقة ، وأطماعهم ، غير مبالين بنزيف الدم والخراب الذي يفترس بلدهم ، أو بمئات الأبرياء من أبناء وطنهم ، الذين يسقطون يومياً على أيدي القتلة والإرهابيين ..
لقد أقسـم رعد بركات ، بعد خروجه من العراق ، أن لايقوم بإصدار (( أي عمل فني لايصبّ في عودة العراق إلى مكانته التاريخية والثقافية عبر التاريخ .. حيث كانت ولادة أول قيثارة في العالم في بلاد سومر )) ، كما عبـّر في حوار له مع الشاعر الرقيق ( عبد الرزاق الربيعي ) .. فكانت بداية هذا المشوار الصعب في ( صنعاء ) ، عندما أصدر شريطه الغنائي الجريء ( غربة ) ، الذي لحـّن وغنـّى فيه ، عدداً من القصائد العذبة ، لشعراء عراقيين منفيين ، عانوا من القمع ، والإستلاب ، والغربة ، كالسياب العظيم ، وعلي جعفر العلاق ، وعدنان الصائغ ، وعبد الرزاق الربيعي ، وعلي الشلاه ، وغيرهم .. ويبدو أنّ هذا الشريط الغنائي لرعد ، كان سبباً كافياً ، لأن يدرجه نظام صدام في قائمته السوداء ، التي كانت تضمُّ أسماء عدد كبير من الإدباء والكتاب والفنانين العراقيين ، في الخارج ، الذين أعلنوا معارضتهم للطاغية المقبور .
في أمريكا ، واصـل الفنان رعد بركات ، مشواره المقدّس ، قبل وبعد سقوط الطاغية ، رغم كل الصعوبات والإحباطات ، التي واجهها هناك ، وتمكـّن بجهوده الخاصة ، ومدخـّراته القليلة ، أن يعمل ( ستوديواً ) متواضعاً ، يساعده على تنفيذ أغانيه المفعمة بحب العراق وشعبه الصبور ، الداعية إلى وحدته ونهوضه ، والمشيدة بشجاعته ونبلـه .. ولم يؤازره في مشروعه الوطني النبيل ، سوى عدد محدود من الكتاب والشعراء العراقيين ، أمثال فالح حسون الدراجي ، وخليل الحسناوي ، وجبار شدود ، وأيوب الأسدي ، وناشد عبد سليمان .. وغيرهم من المثقفين العراقيين ، الذين كانوا يشاركون رعد ، ذلك الحب الكبير للوطن ، والإحساس بالألم والغضب ، للدماء البريئة الطاهرة التي تراق يومياً على أرض الرافدين ، وللخراب والدمار الذي تنشره قوات الإحتلال ، وعصابات البعث والإرهاب ، في كل مكان ..
سجـّل رعد في أمريكا ، أجمل أغانيه الوطنية ، التي تفيض حباً وحناناً وحماسـاً ، وكان لروعة الكلمات ، التي كتبها شعراء عراقيون كبار ، فضلاً عن عذوبة الألحان ، وصدق الأداء ، السبب في نجاح وذيوع هذه الأغاني ، وانتشارها على نطاق واسع بين أوساط الجالية العراقية في الخارج ..
ومن أشهر هذه الأغنيات ، التي تضمنـّها شريط رعد الغنائي المعنون بـ ( مجموعة ياعراق ) : أغنية جنـّة ياوطنة ، وأخاف أموت وما أشوفك يالعراق - للشاعر المبدع فالح حسون الدراجي .. وكذلك أُغنيات ( رغم بعدك – للشاعر الراحل جبار شدود .. بكيت ياعراق ، راح أجيكم – للشاعر خليل الحسناوي .. دمك ودمي انخلط - للشاعر أيوب الأسدي .. عراق الخير ، تعبتنه السنين ، حبر الحرية ، بكيت ياعراق ، نار الفراق ، دمك ودمي انخلط ، سيبقى العراق ، بيتنا ، يزهي العراق ، أنا العراق ، غريب الديار ، العراقية الحبيـبة .. ألخ ) ..
بادر الفنان ( رعد بركات ) بالإتصال ، مباشرة ، بشبكة الإعلام العراقي ، بعد تأسيسها ، وأرسل لها أعماله الوطنية ، التي عجنها بدمه ، وتعبه ، وعشقه لبلاده .. ولكنـّه للأسف ، لم يجـد منها غير الإهمال والجفـاء ، حتى الآن ، ولم تتكرّم ! إلاّ بعرض أغنية واحدة له ، ربـّما سهواً ! .. ويبدو أنّ هذا هو حال أغلب مبدعينا في الخارج ، من فنانين وكتاب وإعلاميين ، الذين أغلقت الفضائية العراقية ( الرسمية ) الباب في وجوههم .. وتجاهلتهم أو ناصبتهم العداء ، شبكة الإعلام العراقي ، التي يفترض بها ، أن تحتضن هؤلاء الفنانين والمبدعين ، التي ضاقت بهم المنافي ، وأثقلت الغربة والفاقـة كاهلهم ..
كان ينبغي على شبكة الإعلام العراقي ، أن تمـدّ أياديها إلى الكتاب والفنانين الرواد والشباب ، الذين رفضوا ، أن يكونوا بوقاً أو أداة بيد النظام السابق ، أو مطية للفن الرديء ، لاأن تقابلهم بالصد والجحود ، بينما تفتح الأبواب مشرعة ، أمام آخرين تافهين وملوثين ، ليس لهم إنتماء حقيقي للعراق ، أو للفن الأصيـل .. لايتقنون غير الردح ، والتهريج ، والبذاءة ، والتمايل مع أجساد الراقصات الغجريات !! ..
سؤال لشبكة الإعلام العراقي ، وقناة العراقية ، وقنواتنا الوطنية الأخرى ..
هل يستحق منكـم ، الفنان رعد بركات ، وآخرون مثلـه .. هذا الجفـاء والإهمال ؟؟؟
فارس الطويل - ألمانيا
FARISALTAWEEL@HOTMAIL.COM
أرسلت يوم الثلاثاء 13 فبراير 2007 بواسطة رعد بركات